ابن عجيبة
506
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والتقليد ، متفرقين اثنين اثنين ، أو واحدا واحدا ؛ فإنّ الازدحام يشوّش الخاطر ، ويخلط القول ، ويمنع من الرّوية ، ويقلّ فيه الإنصاف ، ويكثر الاعتساف . ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما جاء به ، حتى تعلموا أنه حق ، أما الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه ، وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف ، حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق ، وكذلك المفرد ، يتفكر في نفسه ويعرض فكره على عقله . فإذا تفكرتم بالانصاف عرفتم أن ما بِصاحِبِكُمْ يعنى محمدا صلى اللّه عليه وسلم مِنْ جِنَّةٍ ؛ من جنون ، وهذا كقوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ « 1 » . ومنهم من يقف على « تتفكروا » ثم يستأنف النفي . قال القشيري : يقول : إذا سوّلت لكم أنفسكم تكذيب الرسل ، فأمعنوا النظر ، هل ترون فيهم آثار ما رميتموهم به - هذا محمد صلى اللّه عليه وسلم قلتم ساحر ، فأين آثار السحر في أحواله وأفعاله وأقواله ؟ قلتم : فأىّ قسم من أقسام الشعر كلامه ؟ قلتم مجنون ، فأىّ جنون ظهر منه ؟ وإذا عجزتم فهلا اعترفتم به أنه صادق ؟ ! . ه . إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي : قدّام عذاب شديد ، وهو عذاب الآخرة ، وهو كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت بين يدي الساعة » « 2 » . الإشارة : فكرة الاعتبار تشد عروة الإيمان ، وفكرة الاستبصار تشد عروة الإحسان ، فأول ما يتفكر فيه الإنسان في أمره صلى اللّه عليه وسلم ، وما جاء به من العلوم اللدنية ، والأسرار الربانية ، مع ما أخبر به من قصص القرون الماضية ، والشرائع المتباينة ، مع كونه أميا ، لم يقرأ ، ولم يطالع كتابا قط ، وما أخبر به من أمر الغيب ، فوقع كما أخبر ، وما ظهر على يديه من المعجزات ، وما اتصف به عليه الصلاة والسلام ؛ من الأخلاق الحسنة ، والشيم الزكية ، وما كان عليه من سياسة الخلق ، مع مشاهدة الحق . وهذا لا يطاق إلا بأمر رباني ، وتأييد إلهي . فإذا أشرقت على قلبه أنوار النبوة ، ترقى بها إلى أنوار الربوبية ، فيتفكر في عجائب السماوات والأرض ، فيعرف عظمة صانعها ، فإذا سقط على شيخ عارف باللّه أدخله فكرة العيان ، فيغيب عن نظرة الأكوان ، ويبقى المكوّن وحده . كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن على ما عليه كان .
--> ( 1 ) من الآية 184 من سورة الأعراف . ( 2 ) بعض حديث ، أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 50 ) وابن أبي شيبة في مصنفه ، من حديث سيدنا عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه ( 5 / 313 ) ، وانظر : مجمع الزوائد ( 5 / 267 ) ، وجاء معنى الجملة عند البخاري ومسلم بلفظ : « بعثت أنا والساعة كهاتين » أخرجه البخاري في ( الرقاق ، باب : قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت أنا والساعة كهاتين » ح 6504 ) ومسلم في ( الفتن ، باب قرب الساعة ، 4 / 2268 ، ح 2951 ) من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه .